وقفات مع العاشر من محرّم


في هذا اليوم نجى الله يونس من بطن الحوت

أمَّا سَيِّدُنَا "يُونُسُ" عليه السلامُ فإنَّهُ لَمَّا خَرَجَ غاضبًا على قومِهِ لَمْ يعلمْ بِمَا حَلَّ بِهِم.
فوَصَلَ إلى شاطىءِ البحرِ ورَكِبَ السفينةَ بعدَ أنْ أصعدَهُ أهلُهَا إليهَا مَحَبَّةً وتَبَرُكًا بهِ إذ كانَ جَمِيلَ الشكلِ، مَلِيحَ المنظرِ، فَصِيحَ الكلامِ ورَقِيقَ الألفاظِ، فلَمَّا صَعِدَ رَقَدَ في جانبِ السفينةِ ثُمَّ نامَ، وسارَتْ بِهِم السفينةُ تَتَخَطَّى الأمواجَ حتَّى فاجأتْهُمْ رِيحٌ كادتْ تُغْرِقُ السَّفِينَةَ، فاجتَمَعَ رُكابُها ليَدُعُوا اللهَ تعالى عَلَّهُم ينجُونَ، وأيقظُوا نَبِيَّ اللهِ "يونُس" ليَدعُوَ معَهُم، فاستيقظَ ودَعَا اللهَ عز وجلَّ فرفعَ اللهُ عنهُم تلكَ الرَّيحَ.
ثُمَّ انطلَقَ إلى مكانِهِ فنَامَ، فجَاءَتْ رِيحٌ كادَت أن تُقَطِّعَ السفينةَ، فأَيقَظَ الناسُ "يونُسَ" عليهِ السلامُ ودَعَوْا اللهَ فارتَفَعَتِ الريحُ، وبينمَا هُم كذلكَ ظَهَرَ لَهُم حوتٌ عظيمٌ قد أَطلَّ برأسِهِ إليهم أرادَ أن يبتلعَ السفينةَ، فقال "يونسُ": "يا قومُ، هذا مِنْ أَجلِي، فلَو طرحتُمُونِي في البحرِ لسِرْتُم ولذَهَبَتِ الريحُ عنكم والخَوفُ"، ولَم يكنْ مقصودُهُ أن يقتلُوهُ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ اللهَ يُؤَيِدُهُ بالمعجزاتِ الباهراتِ.
قالوا: "لا نَطرَحُكَ حتَّى نَقومَ بالقُرعَةِ، فمَنْ وَقَعَتْ عليهِ رَمَينَاهُ في البحرِ"، فاقتَرَعُوا فوَقَعَ على "يونُسَ"، فقال لَهُم: "يا قومُ، اطرحونِي فمِنْ أَجلِي أَتَتْكُم الريحُ"، فقالوا: "لا نَفعَلُ حتَّى نَقتَرِعَ مرةً أخرى"، ففَعَلُوا فَوَقَعَ على "يونُسَ" فقَالَ لَهُم ما قالَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، حتَّى انطلَقُوا بهِ إلى رأسِ السفينةِ ليُلقُوهُ في البحرِ، فإذا الحوتُ فاتِحٌ فمَهُ، ثُمَّ جاءُوا بهِ إلى جانبِ السفينةِ، فإذَا بالحوتِ هناكَ، ثُم رَجَعوا إلى الجانبِ الآخرِ، فإذا بالحوتِ كذلك هناك فاتحٌ فمَه.
فلما رأَى ذلك "يُونُسُ" ألقى بنفسِه وهو يعلمُ أنَّ اللهَ سيُنجِيهِ وأنَّهُ لَنْ يَمُوتَ بِهذهِ الرَّمْيةِ لأنَّهُ نَبِيٌّ كريـمٌ، فابتَلَعَهُ الحوتُ الذي كان مأمورًا أنْ لا يأكُلَ منهُ لَحمًا ولا يَكْسِرَ لَهُ عَظمًا.
ومَكَثَ "يونُسُ" فِي بَطنِ الحُوتِ أَيَّامًا أَربعينَ، يَشُقُّ بِهِ الأمواجَ، ويَهْوِي إلى الأَعماقِ، فِي ظلماتٍ عدَّةٍ: ظُلْمةِ بطنِ الحوتِ وظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الأَعمَاقِ، وكَشَفَ اللهُ عن سَمعِ "يَونُسَ" فسَمِعَ أَصوَاتًا غَريبةً تَأتِيهِ مِنَ الخَارِجِ، فأَوحَى اللهُ إليهِ أنَّ هذا تسبيحُ أسـماكِ البَحرِ وحيتَانِهِ، فالتَجَأَ إلى اللهِ تعالى مغيثِ المَلهُوفِينَ، ومُعينِ المكروبينَ، وَاسِعِ الرحـمَةِ، وقابلِ التَّوبَةِ، فاستَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، وأَمَرَ الحُوتَ أَنْ يُخرِجَ "يونُسَ" إلى شاطىءِ البحرِ، فألقاهُ وقَدْ سَقِمَ ومَرِضَ لِطُولِ مُكثِهِ فِي بطنِ الحوتِ وكان ذلك يوم العاشر من محرم.
ورُوِيَ أنَّ الحوتَ قَذَفَ بهِ على ساحِلِ قريةٍ مِنَ "الموصلِ" بالعَرَاءِ حيثُ لا شَجَرٌ ولا جَبَلٌ، وكانَ مَرِيضَ البَدَنِ كهيئةِ الفَرْخِ الذي ليسَ عليهِ رِيشٌ أقلُ شىءٍ يَسقُطُ عليهِ يُؤلِمُهُ، فَرَحِمَهُ اللهُ وأَنبَتَ عَليهِ يَقْطِينَةً أظلَّتْهُ وكَانَ لَهَا فوائدُ عديدةٌ منها سُرعةُ نَبَاتِهَا وتَظلِيلُ وَرَقِهَا لِكِبَرِهِ ونُعُومَتِهِ، ولا يَقرَبُ منهَا الذُبَابُ، وثَمَرَتُهَا جَيدةُ التغذيةِ وتؤكلُ نِيئَةً ومطبوخةً بلُبِّهَا وقِشْرِهَا.
قالَ أحدُهُم واصِفًا هذا الحالَ:
وأَنتَ بفَضلٍ مِنك نَجَّيتَ يُونُسا ***** وقد بَاتَ فِي أَضعَافِ 1 حُوتٍ لَيَالِيَا
فأَنبتَّ يقطينًا عليه برحـمةٍ
***** مِنَ اللهِ لولا اللهِ أَصبَحَ ضَاوِيًا2
وسَخَّرَ الله لَهُ "أَرْوِيَّةً" وهي أُنثَى الوَعْلِ الذي هو مِنْ فَصِيلةِ الغزلانِ فكَانَتْ تُفْرِجُ لَهُ ما بَينَ رجلَيْها فيَشرَبُ من لَبَنِها كُلَّ بُكرَةٍ وعَشِيَّةٍ حتَّى تَعَافَى بإذنِ اللهِ.
ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يأتِيَ قَومَهُ ويُخبِرَهُم أنَّ اللهَ تعالى قد تَابَ عليهِم، فذَهَبَ إليهِم وفِي الطريقِ لَقِيَ رَاعِيًا فسَألَهُ عن قومِ "يونُسَ" وعَن حَالِهِم، وكَيفَ هُم؟ فأخبَرَهُ أنَّهُم بِخيرٍ، وأنَّهُم على رجاءِ أَنْ يَرجِعَ إليهِم رَسولُهُم، فأتَاهُم فرَحَّبُوا بهِ مُعتذرِينَ إِليهِ، فَكَبُرَ فرحُهُ لتركِهِم عِبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، وإيـمانِهم بالله الرحمنِ الموجودِ بلا مكان.
---------------------
1- - أَضعاف: جَوف.
2- - ضَاوِيًا: هَزِيلاً.