قصص وعبر

موسى والخضر في السفينة

أعادَ "موسى" فتاهُ إلى بني "إسرائيلَ" وانطلقَ مع "الخَضِرِ" يمشيانِ على ساحلِ البحرِ حتى لَمَحَا سفينةً، فطلبا من أهلِها حَمْلَهُما إلى حيثُ يذهبون وقال لهم "الخَضِرُ": "سأُعطي عن كلّ واحدٍ منا ضِعْفَ ما تأخذونَ من غيرِنا"، فقالَ أحدُ البحارةِ: "إنَّا نرى رجالا في مكانٍ مَخُوفٍ، فنخشى أن يكونوا لُصُوصًا"، فقالَ له أصحابُه: "بل سنحمِلُهُما، فإننا نرى على وجوهِهِما النورَ" فحملاهُما بدونِ أجرةٍ.
وبينما هما في السفينةِ، فوجىءَ "موسى" بأنَّ "الخَضِرَ" أخذَ لوحينِ من خشبِ السفينةِ فَخَلَعَهُما، ولم يكن يرى "الخَضِرَ" عندئذٍ إلا "موسى" ولو رءاهُ البحارةُ لمنعوه، إذ من خصوصياتِ "الخَضِرِ" أنه لا يراهُ إلا مَنْ شاءَ الله له، وقد قيل إنه كان يأتي إلى النبيّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا يراهُ إلا هو، فأنكرَ "موسى" وهو الرسولُ الكريمُ الذي أُرسلَ لهدايةِ الناسِ وردّ الظُّلْمِ عنهم أن يُقَابَلَ صنيعُ البحارةِ بالإساءةِ، وجميلُهم بالنكرانِ، وخشيَ أن يصيبَهُم غَرَقٌ أو هَلاكٌ، فنظرَ إلى "الخَضِرِ" معاتبًا وقال: "أردتَ إهلاكَهُم وقد أصعدُونا بدونِ مقابل، وأحسنوا لقاءَنا، فتخرِقُ سفينَتهم وتحاولُ إغراقَهم، لقد جئتَ شيئًا عظيمًا". فالتفتَ "الخَضِرُ" إليه، وما زاد أن ذكَّرَه بالشرطِ والعهدِ قائلًا: "ألم أقلْ لك؟"، فتذكَّرَ "موسى" وقال: "لا تؤاخذْني"، وتنحَّى جانبًا.
وبينما هما على السفينةِ إذ جاءَ عُصفورٌ فوقعَ على حَرْفِها، فغمسَ مِنْقَارَه في البحرِ، فقال "الخَضِرُ" "لموسى": "يا موسى، ما عِلْمي وعلمُك في جَنْبِ علمِ الله إلا كما نَقَر هذا العصفورُ من البحرِ" معناه لا نعلمُ من معلوماتِ الله إلا القَدْرَ القليل الذي أعطانا، والقَدْرُ الذي أعطانا بالنسبةِ لما لم يُعْطِنَا كما أصابَ منقارُ العُصفورِ من الماءِ حين غمَسه في البحرِ. ولما مرَّتِ السفينةُ بعدَ حينٍ بدونِ أن يغرقَ أحدٌ، مَرَّرَ "الخَضِرُ" يدَه على مكانِ اللوحَيْنِ المكسورَيْنِ فعادا كما كانا بإذنِ الله، واستبشرَ بهِ أهلُ السفينةِ، ثم وصلَ إلى مرادهِ فنزلَ هو و"موسى".
-"الخَضِرُ" والغلامُ:
ولما غادرا السفينةَ تابعا المسيرَ، فوجدا غِلمانًا وفتيانًا يلعبونَ، فأخذَ "الخَضِرُ" واحدًا منهم كان ضالا كافِرًا لِصًّا قاطِعًا للطريقِ وكان يفسدُ ويقسمُ لأبويهِ أنه ما فعلَ، فيقسمانِ على قَسَمِه ويحميانهِ من العساكرِ والناسِ، ولما أخذه "الخَضِرُ" إلى بعيدٍ أضجَعَه وقتلَه، فدُهِشَ "موسى" وكَبُرَ عندَه ذلك الأمر، فقال "للخَضِرِ": "أَقَتَلْتَ نفسًا زكيةً؟" فالتفتَ إليه "الخَضِرُ" وقال له: "ألم أقلْ لك إنك لن تستطيعَ معيَ صبرًا". وقيل إنه اقتلعَ كتفَ الفتى الأيسرَ وقَشَرَ اللحمَ عنه وإذا في عَظْمِ كَتِفِهِ مكتوبٌ: "كافرٌ لا يؤمنُ باللَّهِ أبدًا"، فاستحيا "موسى" عند ذلك وأدركَ أنه قد أثقلَ على هذا العبدِ الصالحِ فقال: "إن سألتُكَ عن شىءٍ بعدَها فلا تصاحِبْني".
- "الخَضِرُ" واليتيمانِ:
أكملَ "موسى" و"الخَضِرُ" عليهما السلامُ طريقَهُما وانطلقا حتى أتيا قريةً وكان أهلُها بخلَاء لئامًا، فطافا في المجالسِ وطلبا طعامًا فلم يُقدّمْ أهلُ القريةِ لهما شيئًا، وردُّوهما ردًّا غيرَ جميلٍ، فخرجا جائعَيْنِ. وقبلَ أن يجاوزا القريةَ وَجَدا جِدارًا يتداعى للسقوطِ، ويكادُ ينهارُ، فرفَعه "الخَضِرُ" بمعجزةٍ له بيدِه ومسحَه فاستقامَ واقفًا. وكان سَمْكُ هذا الجدارِ ثلاثينَ ذراعًا بذراعِ ذلك الزمانِ، وطولُه على وجهِ الأرضِ خَمْسَمِائةِ ذراعٍ وعرضُه خمسينَ ذراعًا. فاستغربَ "موسى" وقال: "عجبًا، أتجازي هؤلاءِ القومَ الذين أساءوا اللقاءَ بهذا الإحسانِ، لو شئتَ لأخذتَ على فعلِك هذا أجرًا منهم نسدُّ به حاجاتِنا"، فقال "الخَضِرُ" وقد تيقَّنَ أنَّ "موسى" عليه السلامُ لن يستطيعَ بعدَ الآن صبرًا: "هذا فِراقٌ بيني وبينَك"، فأخذ "موسى" بثيابهِ وقال: "لا أفارقُكَ حتى تخبرَني بما أباحَ لك فعلَ ما فعلتَ"، فلما التمسَ "موسى" ذلكَ منه، أخذ في البيانِ والتفصيلِ وقال: "سأبيِّنُ لك ما لم تستطعْ عليه صبرًا، أما السفينةُ فكانَت لمساكينَ يعملونَ في البحرِ، فيُصِيبونَ منها رِزْقًا، يُعينُهم على الكَسْبِ، وعددُهم عَشَرةُ إخوةٍ وَرِثُوها عن أبيهِم، بكل واحدٍ عِلَّةٌ ليست في الآخرِ، خمسةٌ منهم لا يستطيعونَ العملَ وخمسةٌ يعملون، فأما العمّالُ منهم فأحدُهم كان مجذومًا - والجُذَامُ مرضٌ جِلْدِيٌّ خطيرٌ - ، والثاني أعورَ، والثالثُ أعرجَ، والرابعُ ءادَرَ - أي مصابًا بفَتْقٍ شديدٍ -، والخامسُ محمومٌ لا تنقطعُ عنه الحُمَّى الدهرَ كلَّه وهو أصغرُهم، والخمسةُ الذين لا يطيقونَ العملَ: أعمى وأصمُّ لا يسمعُ وأخرسُ ومُقْعَدٌ ومجنونٌ. وكان عليهم ملِكٌ فاجرٌ اسمُه "هُدَدُ بنُ بُدَدَ" يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ تمرُّ في بحرهِ غَصْبًا ويتركُ التي فيها خَلَلٌ وأعطالٌ"، ثم أكملَ "الخَضِرُ" كلامَه قائلا: "ولم يكنِ الإخوةُ على علم بما يريدُ المَلِكُ فِعْلَه، فأظْهَرتُ في السفينةِ عيبًا حتى إذا جاء خُدَّامُ الملكِ تركوها للعيبِ الذي فيها، وهذا الذي صارَ إذ لم يأخذها الملِكُ، ثم أصلحتُها لهم كما رأيتَ بعدَ ذلك فانتفعوا بها وبَقِيَتْ لهم".
وأما الغلامُ المقتولُ فاسمه "حَيْسُون" وكان كافرًا وأبواهُ مؤمنانِ وكانا يعطفانِ عليه فكرهتُ أن يحمِلَهُما حبُّه على أن يتابعاهُ على كفرهِ، فأمرني الله أن أقتلَه باعتبارِ ما سَيَئُولُ أمرُهُ إليه، إذ لو عاشَ لأتعبَ والديهِ بكفرهِ، ولله أن يحكمَ في خلقهِ بما يشاءُ، ويتصرَّفَ في ملكهِ كما يشاءُ لا يظلِمُ أحدًا". وكانت أمُّ الغلامِ يومَ قُتِلَ حُبْلَى فولدتْ بنتًا كانت أرحمَ من الذي قتلَه "الخَضِرُ"، وقيل إنه لما كَبِرَتْ هذه البنتُ أدركتْ سيدَنا "يونُسَ بنَ مَتَّى" فآمنتْ به وتزوجَها فأنجبتْ عدةَ أنبياءَ فهدَى الله بهم أُممًا كثيرةً، وكانتِ العبرةُ في قِصةِ هذا الغلامِ أنه فَرِحَ به أبواهُ حينَ وُلِدَ، وحَزِنا عليه حين قُتِلَ، ولو بقي كان فيه هلاكُهما، فالواجبُ على كل امرئ الرضا بقضاءِ الله تعالى.
وأما الأمرُ الثالثُ وهو الجدارُ فكان لغلامينِ يتيمينِ في المدينةِ حُكي أن أحدَهما اسمه "أَصْرَمُ" والآخر "صَرِيم" واسمُ أبيهِما "كَاشَح" وأمِـّهِمَا "دَهْنَا"، وكان تحتَ الجدارِ كنزٌ لهما عبارةٌ عن لوحٍ ذهبي ومالٍ كثيرٍ من ذهبٍ وفضةٍ، تركَه لهما والدهُما الصالحُ الذي كان يؤدّي الأماناتِ والودائعَ إلى أهلِها، وقد حُفِظَا بصلاحِ أبيهِما. وفي الحديثِ النبويّ: "إن الله يحفَظُ الرجلَ الصالحَ في ذريتهِ". ولما كانَ الجدارُ مشرفًا على السقوطِ ولو سقطَ لضاعَ ذلك الكنزُ، أرادَ الله إبقاءَه على اليتيمينِ رعايةً لحقِـّهِما وحق صلاحِ والدِهما فأمرَ الله "الخَضِر" بإقامةِ ذلك الجدارِ ليحفظَ الكنزَ الذي سيكونُ من نصيبِ اليتيمين عندما يكبَرَانِ، وكان اليتيمانِ جاهلَيْنِ بأنَّ لهما كنزًا إلا أن الوصيَّ عليهما كان عالِمًا به. ثم إن الوصيَّ غابَ وأشرفَ ذلك الجدارُ في غيبتِه على السقوطِ. ثم قال "الخَضِرُ" بعد أن بَيَّنَ "لموسى" القضايا الثلاث: "وما فَعَلْتُهُ عن أمري" أي ما فعلتُه باجتهادٍ مني ورأْيٍ، إنما فعلتُهُ بأمرِ الله وهذا يدلُّ على أنه نبيٌّ أُوحي إليه.