لفتة الكبد في نصيحة الولد


قدِ انتبهَ خلقٌ كثيرٌ بعدَ الرُقادِ الطويلِ

ولا يُؤنسْكَ يا بنيَّ مِنَ الخَيرِ ما مَضَى مِنَ التفريطِ فإنّهُ قدِ انتبهَ خلقٌ كثيرٌ بعدَ الرُقادِ الطويلِ. فقدْ حدّثنِي الشيخُ أبو حكيمٍ عنْ قاضِي القضاةِ الشيخِ أبي الحسَنِ الدامغاني رحمهُ الله قالَ: كنْتُ في صَبوتي مُتشاغلاً بالبطالةِ غيرَ مُلتفتٍ إلى العلمِ فأَحضرَني أبي أبو عبدِ اللهِ رحمهُ الله تعالى وقالَ لي يا بُنيَّ لسْتُ أبْقى لكَ أبدًا فخُذْ عشرينَ دينارًا وافتحْ لكَ دُكّانَ خَبّازٍ وتكَسَّبْ فقلتُ لهُ ما هَذا الكلامُ قالَ فافتحْ دُكّانَ بَزَّازٍ1 فقلْتُ كيفَ تقولُ لي هذا وأنا ابنُ قاضِي القضاةِ عبدِ اللهِ الدامغاني قالَ فما أراكَ تطلبُ العلْمَ فقلْتُ اذكرْ ليَ الدرسَ الساعةَ فذكَرَ لي فأقبلْتُ على التشاغلِ بالعلْمِ فعنْدَ ذلكَ أقبلتُ على الاشتغالِ بالعلْمِ واجتهدْتُ ففَتَحَ اللـهُ تعالى2. وحَكَى لي بعضُ أصحابِ أبي محمدٍ الحَلواني رحمهُ اللـهُ قالَ ماتَ أبي وأنا ابنُ إحدى وعشرين سنةً وكنتُ موصوفًا بالبطالةِ، فأَتيتُ أتقاضى بعضَ سكانِ دارٍ قدْ ورِثْتُهَا فسمعتُهُمْ يقولونَ جاءَ المدْبِرُ أي الرَّبيط3 فقلتُ لنفسِي يقالُ عنِّي هذا فجئْتُ إلى والدتِي فقلْتُ إذا أردتِ طلبِي فاطلبينِي مِنْ مَسجدِ الشيخِ أبي الخطّابِ ولازمْتُهُ فما خرجْتُ إلا إلى القضاءِ فصرْت قاضِيًا مدةً. (قلتُ) ورأيتُهُ أنَا وهو يُفتِي ويُناظِر. فألزِمْ نفسَكَ يا بُنيَّ الانتباهَ عندَ طُلوعِ الفَجْرِ ولا تتحدثْ بحديثِ الدنيا فقدْ كانَ السلفُ الصالحُ رحمَهُمُ الله لا يتكلمون في ذلكَ الوقتِ بشىءٍ مِنْ أمورِ الدنيا وقُلْ عندَ انتباهِكَ مِنَ النومِ: "الحمدُ للهِ الذي أحيانِي بعدَ ما أماتَنِي وإليهِ النشورُ، الحمدُ للهِ الذي يُمسكُ السماءَ أنْ تقعَ على الأرضِ إلا بإذنِهِ إنَّ اللهَ بالناسِ لَرؤوفٌ رحيمٌ". ثمَّ قُمْ إلى الطهارةِ واركعْ سنَّةَ الفجرِ واخرجْ إلى المسجدِ خاشِعًا وقُلْ في طريقِكَ: "اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بحقِ السائلينَ عليكَ وبحقِّ ممشايَ هَذا، أنِّي لمْ أخرجْ أشرًا ولا بطرًا ولا رياءً ولا سمعةً خرجتُ اتقاءَ سخطِكَ وابتغاءَ مرضاتِكَ أسألُكَ أنْ تُجِيرَني مِنَ النارِ وأنْ تغفرَ لي ذُنوبي إنّهُ لا يغفِرُ الذنوبَ إلا أنْتَ". واقصِدِ الصلاةَ إلى يمينِ الإمامِ فإذا فرغْتَ مِنَ الصلاةِ فقلْ: "لا إلهَ إلا اللـهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميتُ بيدِهِ الخيرُ وهُوَ عَلى كلِّ شىءٍ قديرٌ" عشرَ مراتٍ ثمَّ سبِّحْ عشرًا واحمدْ عشرًا وكبِّر عشرًا واقرأْ ءايةَ الكرسيِّ واسألِ اللـهَ سبحانَهُ قبولَ الصلاةِ، فإنْ صحَّ لكَ فاجلِسْ ذاكِرًا اللـهَ تعالَى إلى أنْ تطلُعَ الشمسُ وترتفِعَ ثمَّ صلِّ وتَرَكّعْ ما كُتبَ لكَ وإنْ كانَ ثمانِ ركعاتٍ فهوَ حسنٌ.
---------------------------
1) البزاز: بائع الثياب بائع البز . (قرئ)
2) أي ففتح الله تعالى عليّ. (قرئ)
3) أي عند عدم حاجة الناس إلى المال، لا يأتي ليتقاضى الأجرة وعندما يكونون بحاجة للمال يأتي إليهم ليطالبهم بالمال. (قرئ)