لفتة الكبد في نصيحة الولد


ينبغِي أنْ تسموَ همتُكَ إلى الكمالِ

وينبغِي أنْ تسموَ همتُكَ إلى الكمالِ فإنَّ خلْقًا وقفُوا معَ الزهْدِ وخلْقًا تشاغلُوا بالعلمِ وندَرَ أقوامٌ جَمعُوا بينَ العلمِ الكاملِ والعملِ الكاملِ. واعلمْ أنِّي قد تصفَّحْتُ التابعينَ ومَنْ بعدهُمْ فما رأيتُ أحظى بالكمالِ مِنْ أربعةِ أنفسٍ سعيدِ بنِ المسيَّب1 والحسنِ البصريِّ2 وسفيانَ الثوريِّ3 وأحمدَ بنِ حنبلٍ4 رضيَ اللـهُ عنهُمْ وقدْ كانُوا رجالاً وإنَّما كانتْ لـهُمْ هممٌ ضعُفَتْ عندَنَا وقدْ كانَ في السلفِ خلْقٌ كثيرٌ لهَمُ هممٌ عاليةٌ. فإذا أردْتَ أنْ تنظُرَ إلى أحوالِهِمْ فانظُرْ في كتابِ صفةِ الصفوةِ إنْ شئتَ تأمل أخبارَ سعيدٍ والحسنِ وسفيانَ وأحمدَ رضيَ اللـهُ عنهُمْ فقدْ جمعْتُ لكلِّ واحدٍ منهُمْ كِتابًا.
---------------------------
1) يعد سعيد بن المسيب من فقهاء المدينة السبعة. قال أحمد بن حنبل مرسلات سعيد صحاح وقال قتادة ما رأيت أحدًا أعلم من سعيد بن المسيب ولم يكن أحد أعلم بقضاء قضاة رسول الله منه وكان يصدر أحكامه الفقهية اعتمادًا على أحكام عمر بن الخطاب وسمي راوية عمر ومن تلاميذه الزهري وقتادة توفي سعيد سنة 94 هـ.
2) الحسن البصري نشأ بالمدينة وحفظ القرءان في خلافة عثمان وسمعه يخطب مرات وكان عمره يوم الدار أربع عشرة سنة ثم كبر ولازم الجهاد والعلم والعمل. رأى علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وعائشة ولم يصح له سماع من أحدهم. أدرك الحسن خمسين من الصحابة، كان الحسن البصري عالمًا جامعًا رفيعًا ثقة حجة مأمونًا في الرواية عابدًا ناسكًا فصيحًا كثير العلم جميلاً وسيمًا. كان الحسن مجتهدًا له ءاراء في الدين صاحب مذهب.
3) سفيان الثوري هو أبو عبد الله بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي الفقيه الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ روى عن أبيه وزيد بن الحارث. وقال أحمد بن حنبل لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد.
4) ولد الإمام أحمد بن محمد بن حنبل في بغداد. جاء في كتاب المناقب قال ابن المنادي قال جدي كان أحمد من أمى الناس وأكرمهم وأحسنهم عشرة وأدبًا. كثير الإطراق والغض معرضًا عن القبيح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا وكانوا يكرمونه ويعظمونه. كان حسن الجوار يؤذى فيصبر ويحتمل الأذى من الجار.