لفتة الكبد في نصيحة الولد


متى صحَّتِ التقوى رأيتَ كلَّ خيرٍ

يا بنيَّ ومتى صحَّتِ التقوى رأيتَ كلَّ خيرٍ والمتَّقِي لا يُرائي الخلْقَ ولا يتعرَّضُ لما يُؤذي دِينَهُ ومَنْ حفِظَ حدودَ اللهِ حفظَهُ الله. قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلَّمَ لابنِ عباسٍ رضيَ اللـهُ عنهُمَا "احفظِ الله يحفظْكَ احفظِ الله تجدْهُ أمامَكَ" واعلمْ يا بنيَّ أنَّ يونسَ عليهِ السلامُ لمـَّا كانتْ ذخيرتُهُ خيرًا نجَا بِهَا مِنَ الشدةِ قالَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وأمَّا فرعونُ فلمَّا لمْ تكُنْ لهُ ذخيرتُهُ خيرًا لمْ يجدْ في شدتِهِ مُخَلِّصًا فقيلَ له: ﴿ءالآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ فاجعلْ لكَ ذخائرَ خيرٍ منْ تقوى تجدُ تأثيرَهَا .وقدْ جاءَ في الحديثِ" ما منْ شابٍّ اتقى اللـهَ في شبابِهِ إلا رفعَهُ الله في كبرهِ" وقالَ تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.
واعلمْ أنَّ أَوفى الذخائرِ غضُّ الطرفِ عنْ مُحَرَّم وإمساكٌ للسانِ عن فُضولِ كلِمةٍ ومراعاةِ الحدِّ1 وإيثارِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى على هَوى النفسِ وقد عرفتُ حديثَ الثلاثةِ الذين دخلُوا إلى غارٍ فانطبقتْ عليهم صخرةٌ فقالَ أحدُهُم اللهمَّ إنَّهُ كانَ لي أبوانِ وأولادٌ فكنتُ أقفُ بالحليبِ على أبويَّ أسقيهِمَا قبلَ أولادي فإنْ كنتُ فعلُت ذلكَ لأجلِكَ فافرُجْ عنَّا فانفرَجَ ثلثَ الصخرةِ وقالَ الآخرُ اللهمَّ إني استأجرتُ أجيرًا فتسخَّط أجرَه فاتَّجرتُ بهِ فجاءَ يومًا فقالَ ألا تخافُ الله وتعطينِي أجرتِي فقلتُ انطلقْ إلى تلكَ البقرِ ورِعائِهَا فخذْهَا فإنْ كنتُ فعلتُ ذلكَ لأجلِكَ فافرُجْ عنَّا فانفرجَ ثلُثَا الصخرةِ فقالَ الآخرُ اللهمَّ إنِّي علِقتُ بنتَ عمٍّ لي فلمَّا دنوْتُ منهَا قالتِ اتقِ الله و لا تفضَّ الخاتمَ إلا بحقِّهِ فقمْتُ عنْهَا فإنْ كنتُ فعلْتُ ذلكَ لأجْلِكَ فافرُجْ عنَّا فرُفِعَتِ الصخرةُ وخرجُوا.

ورؤِيَ سفيانُ الثوريُّ رحمةُ اللهِ عليهِ في المنامِ فقيلَ لهُ ما فعلَ الله بكَ قالَ ما كانَ إلا أنْ وُضعْتُ في اللحدِ فإذا أنا بينَ يديْ ربِّ العالمينَ فدخلْتُ فإذا أنا بقائلٍ يقولُ سفيانُ قلتُ سفيانُ قالَ تذكُرُ يومًا ءاثرتَ اللـهَ على هواكَ قُلتُ نعمْ فأخذَتْنِي صَوانِي2 النِثَارِ3 مِنَ الجنَّة.
---------------------------
1) إن الحد هي كلمة عامة يقصد بها كل حكم أنزله الله تعالى من قتال وأحكام وطلاق وزواج وغير ذلك قال سبحانه {وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ولقد ساد في الوسط الفقهي إطلاق لفظة الحد أو الحدود على أحكام الرجم والجلد والقطع والقتل وهو تحديد علمي صار معروفًا على هذه الأحكام لكن الذي يجب معرفته أن سائر أحكام الله هي حدوده.
2) الصواني: الأواني وهي الأوعية التي يصان فيها. (قرئ)
3) النِثَار الدُّرُ. (قرئ)