كيف أسلم؟

عبد الله بن مسعود

الصحابي الجليل الذي أكرمه الله تعالى بأن جعله سادس من أسلم، فكان يقول عن نفسه معتزًا بإسلامه وصحبته لنبي الله المكرم مما رواه البخاري عنه: "لقد رأيتني سادس ستة وما على الأرض غيرنا".
هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، وكانت أمه معروفة بأم عبد. وفي قصة إسلامه زيادة يقين للمسلم بصدق النبي العظيم المؤيد بالمعجزات الدالة على نبوته.
كان عبد الله بن مسعود غلامًا يافعًا لم يجاوز الحلم، يسرح باكرًا في شعاب مكة بعيدًا عن الناس ومعه غنم يرعاها لأحد سادات قريش وهو عقبة بن أبي معيط ثم لا يعود بها إلا في الليل. في ذات يوم بينما هو في شعاب مكة أبصر الغلام المكي عبد الله رجلين عليهما الوقار يتجهان نحوه من بعيد، وقد بدا التعب الشديد عليهما واشتد عليهما الظمأ حتى جفت منهما الشفاه، فلما وصلا وقفا أمامه وقالا "احلب لنا من هذه الشياه ما نطفئ به ظمأنا ونبلُّ عروقنا" فقال الغلام "لا أفعل فالغنم ليست لي وأنا عليها مؤتمن"، فلم يُنكرا عليه بل بدا على وجههما الرضا بجوابه، ثم قال أحدهما "دلني على شاة لم ينزُ عليها الفحل" فأشار الغلام إلى شاة صغيرة قريبة منه، فتقدم منها الرجل واعتقلها وجعل يمسح ضرعها بيده وهو يذكر عليها اسم الله تعالى، فنظر إليه الغلام في دهشة وقال: الصغيرة التي لم يطرقها الفحل تدرُ لبنًا؟!
لقد انفتح ضرع الشاة ودفق اللبن يخرج منه غزيرًا فشرب هو وصاحبه وشرّبا الغلام، فسأل ابن مسعود الرجل المبارك: علمني من هذا القول الذي قلته، فابتسم له قائلاً: "إنك لغلام معلّم"، ولم يكن هذا الرجل المبارك إلا سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه الصديق رضوان الله عليه وسرعان ما أسلم هذا الغلام ونال شرف ملازمة النبي وخدمته، وكان من عظيم نعم الله عليه دوام مرافقته للنبي في حله وترحاله، وكان يلبسه نعليه إذا أراد الخروج ويحمل له عصاه وأشياءه، فتعلم ابن مسعود من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من أقرأ الصحابة للقرءان وأفقههم لمعانيه وأعلمهم بشرع الله الحنيف.
لقد هاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد بعدها وءاخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، ثم شهد فتوح الشام، وبعثه عمر رضي الله عنه في زمن خلافته إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، وكان يقول: "أخذت من في [فم] رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة"، روى ذلك عنه البخاري. ومن جميل كلامه رضي الله عنه الذكر ينبت الإيمان في القلب كما يُنبت الماء البقل وقد ورد عنه رضي الله عنه أنه أمسك لسانه وقال: "يا لسان قل خيرًا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه" رواه الطبراني.
مات رضي الله عنه وأرضاه عن نيف وستين ودفن بالبقيع ونال الخير العظيم بشهوده بدرًا جمعنا الله تعالى به وبسائر أصحاب النبي العظيم في جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله على كل شئ قدير.