إرشاد الأوّاه إلى تحريم ذكر الله بلفظ آه


رد شبهات

الشبهة الأولى:
ادعى بعض جهلة الصوفية أن هذا الحديث الموضوع اتفق الصوفية على العمل به وأيضًا صح كشفًا وإلهامًا.
والجواب: أن أحكام الشريعة الإسلامية أربعة: الكتاب العزيز، والسنة النبوية الثابتة، والإجماع، القياس، والمراد بالإجماع اتفاق أئمة المجتهدين في أي عصر على حكم، فلو سلَمنا جدلا كما يزعم البعض أن الصوفية اتفقوا على العمل به ـ وهذا كذب وافتراء عليهم ـ فالجواب: أنه لا حجة في اتفاقهم دون غيرهم لا سيما ولم يكن لهم دليل من هذه الأربعة فلا يكون اتفاقهم بمجرده إجماعًا علمًا أن هذا افتراء على الصوفية ونحن نرى أصحاب الطرق المختلفة لا يذكرون بهذه اللفظة المنكرة ما عدا أولئك الذين انتحلوا لأنفسهم لقب الشاذلية وانتسبوا إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه المبرأ عن مثل هذه البدعة القبيحة لعدم ثبوته في شيء من كلامه ولا كلام أتباعه المعترف بجلالتهم في العلم والعمل كتلميذه أبي العباس المرسي رضي الله عنه وغيره علمًا أن هذه اللفظة ليست مستعملة عند كل من ينتسب إلى الشاذلية كما قدمنا من إنكار الشيخ ظافر المدني شيخ الشاذلية في المدينة المنورة لهذه الكلمة، وأيضًا شاذلية اليمن لا يستعملونها، وأيضًا عند شاذلية الشيخ حسنين الحصافي المصري وهم كثيرون منتشرون في البلاد.
وكان الشيخ محمود حجازي أحد رؤساء الشاذلية وتلميذه الشيخ المحروقي يدافع عن هذه الكلمة بشدة حتى استفتى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي رحمه الله فأفتاه بتحريم الذكر بها فرجع الشيخ محمود حجازي عن القول بها وألّف رسالة سماها: "التفصيل الواضح في الرد على تغيير أهل الطريق الفاضح" وعقد لذلك فيها بابًا فقال: "باب رفض اسمية ءاه لله تعالى".
ثم ليس مجرد الكشف أو الإلهام حجة شرعية يثبت بها حكم من أحكام الدين فلا تثبت الأحكام الشرعية بالكشف وأنه لو فـُتح هذا الباب لتخالفت الأحكام وكثر المدعون لذا أوجب أئمة التصوف الحقيقي عرضَ كل كشف يراد العمل به على الكتاب والسنة كما هو مسطور في كتب القوم، فأي كشف وافق أصول الشريعة يُعتد به وما لا فلا.
وقولهم هذا أضل كثيرًا من أدعياء التصوف بمخالفتهم لأصول الشريعة وخالفوا القوم فأتَوا بأمور منكرة بدعوى أنها تثبت لديهم بالكشف أو الإلهام وقد علمتَ أن الكشف والإلهام ليسا حجة شرعية فكيف إذا انضم إلى ذلك جهلهم وكذبهم في تلك الدعوى، وقد شنع الشيخ الفقيه الصوفي محمد علّيش المالكي في أوائل فتاويه تشنيعًا شديدًا على جهلة الصوفية القائلين بمثل هذا القول مدعين أنهم أهلُ الحقيقة والفقهاء أهل الظاهر ولجهلهم لم يعلموا أن الحقيقة لا تخالف الشريعة وأن ما يسميه القوم بالحقيقة هو عبارة عن معارف وأسرار يُلهَمُها من أتقن الشريعة علمًا وعملا فما دامت لا تأباها الشريعة فهي مقبولة ومعتبرة، قال الشيخ مصطفى البكري في ألفيته:
ومَن يُخالف فِعلـُه الشريعَه ~ فذاك في مَهَامه القطيعَه
إذ كلُ مـَن حالفهـا صِدّيـق ~ وكل من خالفهـا زنديـق
وجاهلُ يَفـْرُقُ ما بينهما ~ وليس يمكن انفكاكٌ عنهما
فتبين أن ضلالات أدعياء التصوف المدعين للولاية بمقالهم أو حالهم مصادرها ثلاث: دعوى مخالفة الحقيقة للشريعة، وزعم حجية الكشف أو الإلهام في الدين، والاغترار بأحاديث مكذوبة غير ثابتة عن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الشبهة الثانية:
ظن هؤلاء المتصوفة من شدة جهلهم أن معنى أوّاه في قوله تعالى: ﴿إن إبراهيمَ لأوّاهٌ حليم﴾ [سورة التوبة] أن إبراهيم كان يذكر بلفظ ءاه والجواب: ان هذا غير صحيح فإن الأواه من يُظهر خشية الله تعالى كما ذكر الراغب الأصفهاني في المفردات (1)، وهو كناية عن رقة قلبه وشدة رحمته، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "الأواه: الرحيم"، رواه ابن أبي حاتم (2) بإسناد حسن (3).

الشبهة الثالثة:
زعم بعضهم (4) من شدة الغلو أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وعزا ذلك لشرح العزيزي وهذا افتراء فإن هذا الحديث الموضوع لا وجود له في الصحيحين ولا في الترمذي ولا في بقية الكتب الستة ولا في غيرها مما هو مَظِنـّة الصحيح أو الحسن فضلاً عن شرح الجامع الصغير للعزيزي وإنما هو في الجامع الصغير للسيوطي معزوًا إلى الرافعي في تاريخ قزوين ولو كان في شيء من هذه الكتب لعزاه إليه فإنها أقوى بدرجات من تاريخ قزوين وسائر كتب التاريخ فقد ذكر السيوطي في فاتحة جامعه الكبير الذي اختصر منه الجامع الصغير أن كل ما يعزوه فيه إلى كتب التاريخ فهو ضعيف.

الشبهة الرابعة: افترى بعض المتعصبين من جهلة الشاذلية فادعوا أن "ءاه" قال بها جمهور العلماء، والجواب: أن هذا من أعاجيب الفِرى ويرده ما نص عليه العلماء من أن أسماءه تعالى توقيفية يتوقف ثبوتها على القرءان والحديث الثابت ولا نعلم بل لا يجدون عالمًا معتبرًا يُقتدى به في الوفاق والخلاف بأن يكون مجتهدًا أو ناقلاً عن مجتهد ذهب إلى اسمية "ءاه" اللهم إلا ما وقع في شرح "غرامي صحيح" للأمير، وفي حاشية جوهرة التوحيد للأمير والباجوري وقد أسلفنا أنه لا تقوم به حجة.
---------------------------
(1) المفردات في غريب القرءان ص/32.
(2) تفسير القرءان لابن أبي حاتم 6/1896.
(3) حسّنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 6/389.
(4) مجلة الإسلام ـ السنة الخامسة ـ العدد 33 ـ ص/33 ـ 34.