إرشاد الأوّاه إلى تحريم ذكر الله بلفظ آه


مخالفتهم للسنة النبوية المطهرة

أما ما يرد على هؤلاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ثبت عنه أنه قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فلا يقل: ءاه ءاه فإن الشيطان يضحك منه" أو قال: "يلعب منه" رواه الترمذي والحافظ المجتهد ابن المنذر وابن خزيمة (1) واللفظ له، فلو كان لفظ ءاه من أسماء الله تعالى التي يتقرب بها إلى الله تعالى كما يزعمون لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الشيطان يضحك منه".
ثم إنه لم يرد في حديث صحيح ولا حسن أن "ءاه" اسم من أسماء الله تعالى، وإنما الذي ورد ما رواه الديلمي في مسند الفردوس (2) والرافعي في تاريخ قزوين (3) أن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا مريض يئن فقلنا له: اسكت فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه يئن فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه العليل"، رواه الديلمي من طريق محمد بن أيوب بن سويد ثنا أبي عن نوفل بن الفرات عن القاسم عن عائشة، والقزويني من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم عن بهية عن عائشة، وهو حديث موضوع جزمًا أي مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشا أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد عزاه له السيوطي في الجامع الصغير وسكت عليه (4)،وتعقبه الحافظ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه المغير على الجامع الصغير وحكم بوضعه فقال ما نصه (5): "أخرجه أيضًا الديلمي من طريق الطبراني وفيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي (6) وهو متهم بوضع الحديث ولي في بيان وضعه جزء مستقل" اهـ.
وقال الحافظ أحمد الغماري في كتابه المداوي لعلل المناوي بعد إيراد سنده ما نصه (7) : "ومحمد بن أيوب بن سويد قال ابن حبان (8) : لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة، كان أبو زرعة يقول: رأيته أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة بخط طري وكان يحدث بها اهـ، فالحديث موضوع" انتهى كلام الغماري.
قلت: وهو كما قال فهو جدير بأن يكون موضوعًا، ومحمد بن أيوب قال فيه أيضًا الدارقطني (9): متروك، والحاكم وأبو نعيم (10): روى عن أبيه أحاديث موضوعة.
أما سند القزويني ففيه إسماعيل بن عياش (11) وإن كان حافظًا فقد ضعفه النسائي، وقال الحاكم: "هو مع جلالته إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه"، وقال أبو حاتم: ليّن، وقال ابن حبان: "كثر الخطأ في حديثه فخرج عن الاحتجاج به فيما لم يخلط فيه"، ووثقه يحيى وغيره، وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده وروايته عنهم ضعيفة كما نقل ذلك الحفاظ المعتبرون.وفيه أيضًا ليث بن أبي سليم (12) روى له مسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني لكن ضعّفه النسائي والقطان وأبو زرعة وأبو حاتم وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن حبان: "كان من العبّاد ولكن اختلط في ءاخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم كل ذلك كان منه في اختلاطه، وتركه يحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين". وفيه أيضًا بهية مولاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهي مجهولة، وهي أيضًا ليست بحجة كما قال ابن عمار الموصلي (13). وفيه أيضًا غير هؤلاء من المجاهيل، فتلخص بذلك أن هذا السند مشتمل على ضعفاء ومجاهيل لذا فهو ساقط ظاهر النكارة.
وممن رده أيضًا المناوي في شرح الجامع الصغير فقال ما نصه (14): "لكن هذا لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن وأسماؤه تعالى توقيفية" اهـ. ولا يدفع قولهم ما ذكره العزيزي شارح الجامع الصغير (15): "قال الشيخ: حديث حسن لغيره" اهـ، فلا معنى له لأن شيخ العزيزي هو الشيخ محمد حجازي الشعراني ولا ذكر له ولا للعزيزي في طبقات المحدثين فضلاً عن الحفاظ الذين إليهم المرجع في معرفة درجة الحديث، إذ التصحيح والتحسين من شأن الحافظ المطلع كما هو معلوم عند أهل الحديث، قال الحافظ السيوطي في ألفيته (16): وخذهُ حيث حافظٌ عليه نص = أو مِن مصنَّفٍ بجمعِهِ يُخَص
أي يُعرف الحديث إذا نص حافظ على صحته أو ذكره في كتاب اشترط أن لا يذكر فيه إلا الصحيح كالحافظ سعيد ابن السكن فإنه ألف كتابًا اشترط أنه لا يذكر فيه إلا الصحيح وسماه: "السنن الصحاح".
قال المحدث عبد الله الغماري المغربي ما نصه (17): "وهذا الحديث رواه الرافعي في تاريخ قزوين والديلمي في مسند الفردوس عن عائشة بإسناد فيه راو كذاب، فهو حديث واه نازل عن درجة الاحتجاج بالمرة. ولقد غلط العزيزي في شرح الجامع الصغيرحيث ادعى أنه حسن لغيره مع أن عمدته في التصحيح والتحسين غالبًا – وهو المناوي – لم يحسنه أصلاً لا في شرحه الكبير ولا الصغير ولا حسنه الحافظ السيوطي الذي هو عمدتهم جميعًا، وكيف يستطيع أن يحسنه وفي سنده كذاب كما ذكرنا" اهـ.
فإن قيل: كيف يكون موضوعًا وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير الذي التزم في مقدمته أنه صانه عما تفرد به وضاع أو كذاب؟ فالجواب: أن كتاب الجامع الصغير ليس من هذا القبيل الذي ذكرناه ففيه الكثير من الصحيح والحسن والكثير من الضعيف وفيه جملة من الموضوع كما في شأن حديث: "دعوه يئن"، كما أن السيوطي نفسه لم يوف بشرطه فقد أورد في جامعه أحاديث حكم هو بوضعها إما بإقراره حُكمَ ابنِ الجوزي بوضعه وذلك في اللآلئ المصنوعة أو في ذيلها، أو حَكمَ بوضعها في كتابه ذيل الموضوعات.
---------------------------
(1) رواه الترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وصححه، وابن خزيمة في صحيحه: أبواب الأفعال المكروهة في الصلاة: باب الزجر عن قول المتثائب في الصلاة هاه وما أشبهه.
(2) الفردوس بمأثور الخطاب 5/431 بلفظ: "يا حميراء أما شعرت أن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح به المريض".
(3) تاريخ قزوين 4/72.
(4) الجامع الصغير 1/651.
(5) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير ص/62-63.
(6) الضعفاء والمتروكين للدارقطني ص/353، المجروحين 2/299، تهذيب التهذيب 9/69، لسان الميزان 5/87، الميزان 3/487، المدخل إلى الصحيح ص/208، المغني 2/558، سؤالات البرقاني للدارقطني ص/58، الكشف الحثيث ص/354، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3/43 ، النكت البديعات للسيوطي ص/177، تنزيه الشريعة 1/101، الضعفاء لأبي نعيم ص/143، الموضوعات 1/201.
(7) المداوي لعلل المناوي 4/36.
(8) المجروحين 2/299.
(9) سؤالات البرقاني للدارقطني ص/58.
(10) المدخل إلى الصحيح ص/208، الضعفاء لأبي نعيم ص/143.
(11) الضعفاء والمتروكين للنسائي ص/49، ولابن الجوزي 1/118، التاريخ الكبير 1/369، المجروحين 1/124، الجرح والتعديل 2/191، المغني 1/76، الميزان 1/240، تهذيب التهذيب 1/321، الضعفاء الكبير 1/88، سؤالات الآجري لأبي داود 2/133، الكامل 1/288.
(12) الضعفاء والمتروكين للنسائي ص/209، ولابن الجوزي 3/29، التاريخ الكبير 7/246، المجروحين 2/231، الجرح والتعديل 7/177، المغني 2/536، الميزان 3/420، تهذيب التهذيب 8/465، لسان الميزان 7/347، الضعفاء الكبير 4/14، الكامل 6/2105، أحوال الرجال ص/91، سؤالات ابن الجنيد لابن معين ص/113، البيان والتوضيح ص/218، الموضوعات 2/129، سؤالات الآجري لأبي داود 1/304، تاريخ أسماء الضعفاء لابن شاهين ص/162.
(13) تهذيب التهذيب 12/405.
(14) فيض القدير 3/533.
(15) السراج المنير شرح الجامع الصغير 2/287.
(16) ألفية السيوطي )ص/12(.
(17) مجلة الإسلام – العدد/35، ص/31.