غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان


الباب الثالث
الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الحديث

اعلم أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تتضمن تنزيه الله عن المكان والجهة، وقد استدل بها العلماء لتقرير هذه العقيدة السُّنيّة، نذكر منها:
1 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كان الله ولم يكن شىء غيره" رواه البخاري1 والبيهقي.
ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُه لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سماءٌ ولا كرسيٌّ ولا عرشٌ ولا إنسٌ ولا جنٌّ ولا ملائكةٌ ولا زمانٌ ولا مكانٌ، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه.
والله تعالى لا يوصف بالتغيّر من حالة إلى أخرى لأن التغيّر من صفات المخلوقين، فلا يقال كما تقول المشبّهة إن الله كان في الأزل ولا مكان ثم بعد أن خلق المكان صار هو في مكان وجهة فوق والعياذ بالله تعالى. وما أحسن قول المسلمين المنزهين في لبنان: "سبحان الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر"، وهذه عبارة سليمة عند أهل السنة، غير أن المشبهة المجسمة أدعياء السلفية تشمئز نفوسهم منها لأنها تهدم عليهم عقيدة التشبيه.
2 - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شىءٌ، وأنت الباطن فليس دونَك شىءٌ" رواه مسلم.2
قال الحافظ البيهقي الشافعي الأشعري ما نصه3: "استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه - أي عن الله - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء"، وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان" انتهى.
أما ما رُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أنكم دَلَّيْتُم رجُلًا بحبلٍ إلى الأرض السفلى لهبط على الله" رواه الترمذي4 هو حديث ضعيف، لكن تأوَّله علماء الحديث على أن علم الله شامل لجميع الأقطار وأنه منزه عن المكان، فالشاهد هو في استدلال العلماء به على نفي المكان عن الله، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "معناه أن علم الله يشمل جميع الأقطار، فالتقدير لهبط على علم الله، والله سبحانه وتعالى تنزه عن الحلول في الأماكن، فالله سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن" انتهى، نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة"5، وذكره أيضًا الحافظ المحدِّث المؤرخ محمد بن طولون الحنفي6 وأقرَّه عليه.
وقال الحافظ المحدّث أبو بكر البيهقي الشافعي الأشعري بعد أن ذكر هذه الرواية ما نصه7: "والذي رُويَ في ءاخر هذا الحديث إشارةٌ إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان" انتهى.
وكذلك استدل به أبو بكر بن العربي المالكي في شرحه على سنن الترمذي على أن الله موجود بلا مكان، فقال ما نصه8: "والمقصود من الخبر أن نسبة البارىء من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته" انتهى. أي أن الله منزه عن الجهة فلا يسكن فوق العرش كما تقول المجسمة، ولا هو بجهة أسفل، لأن الله تعالى كان قبل الجهات الست، ومن استحال عليه الجهة استحال عليه المكان، فالله تعالى لا يحُل في شىء ولا يشبه شيئًا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
3 - ومن الأحاديث الدالة على تنزيه الله عن الجهة ما رواه مسلم9 في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء".
قال الحافظ جلال الدين السيوطي10 الشافعي: "قال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى".
4 - ويدل أيضًا على ذلك ما رواه البخاري ومسلم11 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: إني خيرٌ من يونس ابن متَّى" انتهى واللفظ للبخاري.
قال الحافظ المحدِّث الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي ما نصه12: "ذَكر الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن المُنَيِّر الإسكندري المالكي في كتابه "المنتقى في شرف المصطفى" لما تكلم على الجهة وقرر نفيها قال: ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوني على يونس ابن متى"، فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه صلى الله عليه وسلم رفع إلى العرش ويونس عليه السلام هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه السلام أقرب من يونس ابن متى وأفضل وَلمَا نهى عن ذلك. ثم أخذ الإمام ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة لا بالمكان، هكذا نقله السبكي في رسالة الرد على ابن زفيل" انتهى. وابن زفيل هو ابن قيم الجوزية المبتدع تلميذ الفيلسوف المجسم ابن تيمية الذي قال مؤيدًا لعقيدة متأخري الفلاسفة إن الله لم يخلق نوع العالم، وهذا كفرٌ بإجماع المسلمين كما ذكر العلَّامة الشيخ بدر الدين الزركشي في كتابه "تشنيف المسامع".
وقال المفسّر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره ما نصه13: "قال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضّلوني على يونس ابن متى" المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن البارىء سبحانه وتعالى ليس في جهة" انتهى.
5 - قال العلامة المحدّث الفقيه عبد الله الهرري ما نصه14: "ومما استدل به أهل السنة على أن العروج بالنبي إلى ذلك المستوى الذي لمّا وصل إليه سمع كلام الله لم يكن لأن الله تعالى متحيزٌ في تلك الجهة، أن موسى لم يسمع كلامه وهو عارجٌ في السمَوات إلى محل كالمحل الذي وصل إليه الرسول محمد، بل سمع وهو في الطور، والطور من هذه الأرض؛ فيُعلَمُ من هذا أن الله موجودٌ بلا مكان، وأن سماع كلامه ليس مشروطًا بالمكان، وأن صفاته ليست متحيزة بالمكان؛ جعل سماع محمد لكلامه الأزلي الأبدي في وقت كان فيه محمد في مستوى فوق السمَوات السبع حيث يعلمُ الله، وموسى كان سماعه في الطور، وان نبينا صلى الله عليه وسلم صار مشرفًا بجميع أقسام التكليم الإِلهي المذكور في تلك الآية، ولم يجتمع هذا لنبي سواه" انتهى.
6 - ومما يدل أيضًا على تنزيهه تعالى عن الجهة ما رواه مسلم15 في صحيحه عن أنس بن مالك: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كَفَّيْه إلى السماء" انتهى. أي أن النبي جعل بطون كفَّيْه إلى جهة الأرض، وفي ذلك إشارة إلى أن الله عز وجل ليس متحيّزًا في جهة العلو كما أنه ليس في جهة السُّفل.
---------------------
1- صحيح البخاري : كتاب بدء الخلق : باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} (27) [سورة الروم].
2- صحيح مسلم : كتاب الذكر والدعاء والنوبة والاستغفار : باب ما يقال عند النوم .
3- الأسماء والصفات : باب ما جاء في العرش والكرسي (ص/400) .
4- سنن الترمذي : كتاب التفسير : سورة الحديد .
5- المقاصد الحسنة (رقم 86/ ص342) .
6- الشذرة في الأحاديث المشتهرة (2/ 72) .
7- الأسماء والصفات : باب ما جاء في العرش والكرسي (ص/400) .
8- عارضة الأحوذي : كتاب التفسير : سورة الحديد (12/ 184).
9- صحيح مسلم : كتاب الصلاة : باب ما يقال في الركوع والسجود.
10- شرح السيوطي لسنن النسائي (1/ 576).
11- صحيح البخاري : كتاب آحاديث الأنبياء : باب قول الله تعالى:{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (139) [سورة الصافات]، صحيح مسلم : كتاب الفضائل : باب في ذكر يونس عليه السلام.
12- إتحاف السادة المتقين (2/ 105).
13- الجامع لأحكام القرءان (11/ 333 ـ 334) ، و(15/ 124).
14- إظهار العقيدة السنية ( ص/ 118 ـ 119).
15- صحيح مسلم : كتاب صلاة الاستسقاء : باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء.