الأنوار السنية في مقالات علماء الأمة المحمدية


الشيخ المؤرخ محمد كامل باب الطرابلسي رحمه الله (المتوفى سنة 1389 هـ)

قال في كتابه طرابلس في التاريخ ما نصه: ومما اتفق وقوعه في طرابلس، أيام السلطان عبد الحميد، أنه كان إلى جانب مدرسة الفرير جامع يُسمّى التفّاحي تهدّم وءال أمره إلى الخراب، فتقرر لدى إدارة الأوقاف إعادة بنائه على أنقاض الجامع المتهدم.
واستحسن بعضهم أن يلغوا الاسم القديم ويسمونه الحميدي. فصدرت على الإثر ذلك إرادة سلطانية بالموافقة مع إرسال أثر نبوي شريف، وهو شعرة طاهرة من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم، الموجودة لدى الأتراك في المخلّفات النبوية، ولما وصلت الأثر عن طريق البحر، لم يكن البناء قد تم، وذلك في أواخر سنة 1209 هـ/1891ر فوُضع مؤقتًا في الجامع الكبير المنصوري، وعند إتمام البناء سنة 1311هـ وجدوا من الأنسب لمكانة الأثر الشريف إبقاءه في الجامع المنصوري، إذ هو من الآثار القديمة أيضًا فسعوا سعيًا حثيثًا مع السلطان لأخذ موافقة الآستانة، وأخيرًا صدر الأمر بالقبول وكانت قد قامت معالم الزينة والمهرجانات الفخمة عند وصول الأثر الشريف بما لم يعهد له مثيل في تاريخ طرابلس.
ابتهجت الناس بالسرور، وقامت الأفراح العظيمة وكانت الزينات منتشرة هنا وهناك وفي كل مكان، وأخذت الأغنياء بتوزيع اللحوم وإعطاء الصدقات على المحتاجين حتى شبعت الفقراء والمساكين، واتّسع عليهم العيش، أصبحت الصدقات الكثيرة توزع بصورة عامة، وصارت شرابات الليمون يتناولها الإنسان من أي مخزن أراد، وما كنت تسمع أينما توجهت وحيثما ذهبت إلا تهليلا وتكبيرًا وصلاة وسلامًا على البشير النذير، وما قامت بعدها إلى هذا التاريخ أفراح في طرابلس مثلها، ولا ما يقرب منها، تصافت يومئذ القلوب وتسامح الأخصام والمتشاحنون وتركوا عداواتهم وصفت قلوبهم وتابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى ربهم، كانت يومئذ في طرابلس أيام سبعة سعيدة فيها كثير من الخير واليمن والبركة والتوفيق وصفاء القلوب وذهاب الشحناء بين المتخاصمين، وترك أسباب العداوات والبغضاء.
ملاحظة: الشيخ المؤرخ محمد كامل بابا شهد بنفسه وصول الأثر النبوي الشريف والاحتفالات به.