كيف تفسر الآيات المتشابهات


تفسير: ولله المشرق والمغرب

8- تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة].

ذكر الفخر الرازي في التفسير الكبير: قيل إن هذه الآية نزلت في أمر يختص بالصلاة وهو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾ يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ولهذا لا يعقل من قوله: ﴿فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ إلا هذا المعنى.
وقال بعض المفسرين: إنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك، لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد، وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانًا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب ءاخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة، وقيل إنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك، فنزلت الآية ردًا عليهم، وهو قول ابن عباس.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعًا يومئ برأسه نحو المدينة فمعنى الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾ وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم: ﴿فَثّمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ فقد صادفتم المطلوب: ﴿إنَّ اللهَ وَاسِعٌ﴾ الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين إما ترك النوافل وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة، بخلاف الفرائض فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج، فبخلاف النوافل فإنها غير محصورة فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرَج.