كيف تفسر الآيات المتشابهات


الآياتُ المتَشَابِهَةُ

المتَشابِهُ هُو ما لم تَتّضِح دِلالتُه أوْ يَحتَمِلُ أوْجُهًا عَدِيدِةً واحتاجَ إلى النَّظَر لِحَمْلِهِ على الوَجهِ المُطابِقِ كقَولِه تِعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ استَوَى.

فالمتشابهُ هو الذي دِلالتُهُ على المرادِ غيرُ واضحةٍ، أو كان يحتمِلُ بحسبِ وضعِ اللغة العربيةِ أوجهًا عديدةً، واحتيج لمعرفةِ المعنى المرادِ منه لنظرِ أهلِ النَّظرِ والفهمِ الذين لهم درايةٌ بالنُّصوصِ ومعانيها ولهم درايةُ بلغةِ العربِ فلا تخفى عليهم المعاني إذ ليس لكلّ إنسانٍ يقرأ القرءان أن يفسّرهُ.
وليس المرادُ بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ استَوَى﴾ أنه جالسٌ على العرشِ، ولا أنه مستقرُّ عليه ولا أن الله بإزاء العرشِ بل كلُّ هذا لا يليق بالله، نعتقدُ أن الله استوى استواءً على العرشِ يليقُ به ولا نعتقدُ بشيءٍ من هذه الأشياءِ الجلوسَ والاستقرارَ والمحاذاةَ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر] أيْ أنَّ الكَلِمَ الطَّيبَ كَلا إلهَ إلا الله يصْعَدُ إلى مََحَلّ كَرَامَتِه وهُوَ السَّمَاءُ، والعَمَلُ الصَّالِحُ يرفَعُه أي الكلمُ الطيبُ يرفَعُ العملَ الصالحَ وَهذا مُنْطَبِقٌ ومُنْسَجِمٌ مَعَ الآية المحكمةِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ﴾.
هذا من المتشابهِ الذي يعلَمُ معناُه الرَّاسخونَ، فالكلمُ الطَّيبُ هو كلا إله إلا الله والعملُ الصّالحُ يشمَلُ كلَّ عملٍ صالحٍ يُتقرَّبُ به إلى الله كنحو الصلاةِ والصدقةِ وصلة الرحمِ، فالمعنى أن كلَّ ذلك يصعدُ إلى الله أي يتقبَّلُهُ، هذا ليسَ فيه أن الله له حيّزُ يتحيزُ فيه ويسكنُهُ.
فالسماءُ محلُّ كرامةِ الله أي المكان الذي هو مشرَّف عند الله، لأنها مسكنُ الملائكةِ، هذا التَّفسيرُ موافق للاية المحكمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ﴾.
فَتَفْسيرُ الاياتِ المُتَشابِهَةِ يَجبُ أن يُردّ إلى الاياتِ المُحْكَمَةِ، هذا في المُتَشابِه الذي يجوزُ للعُلماءِ أن يعلمُوهُ أي أن من أرادَ أن يُفسّرَ المتشابهَ يجبُ أَنْ يكونَ موافقًا للاياتِ المحكماتِ كتفسيرِ الاستواءِ بالقهرِ فإنه موافقٌ للمحكماتِ، كذلك تفسيرُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ بمحلِّ كرامتِهِ وهي السَّماءُ موافقٌ للمحكمات.
فَهُنا مسلكانِ كلٌ مِنْهُمِا صَحِيحٌ:
الأوَلُ: مَسلَكُ السَّلَفِ: وهُم أهْلُ القُرونِ الثَلاثَةِ الأُولى أي اكثرهم.
فإنهُم يُؤوّلونَها تأوِيلا إجماليًّا بالإيمانِ بها واعتِقادِ أنها ليست من صفاتِ الجسمِ بل أنَّ لَها مَعْنًى يَليقُ بجَلالِ الله وعظمَتِهِ بلا تعْيِينٍ، بَلْ رَدُّوا تِلْكَ الاياتِ إلى الاياتِ المحكَمَةِ كقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ﴾ [سورة الشورى].
السلفُ مَن كان من أهلِ القرونِ الثلاثةِ الأولى قرنِ أتباعِ التَّابعينَ وقرن التَّابعينَ وقرن الصَّحابةِ وهو قرن الرسولِ، هؤلاءِ يسمَّون السلفَ ومن جاءوا بعدَ ذلكَ يسمَّونَ الخلفَ، ومن العلماءِ من حدّدَ هذا بالمائتين والعشرين سنةً من مبعثِ الرّسولِ ومنهم من حَدَّ هذا بالمئاتِ الثلاثةِ الأولى. فالسّلفُ الغالبُ عليهم أن يؤوّلوا الايات المتشابهة تأويلا إجماليًا بالإيمانِ بها واعتقادِ أن لها معاني تليقُ بجلالِ الله وعظمتِهِ ليست من صفاتِ المخلوقينَ بلا تعيين كآيةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ استَوَى﴾ و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. وحديثِ النزولِ بأن يقولوا بلا كيفٍ أو على ما يليق بالله أي من غير أن يكونَ بهيئةٍ من غير أن يكونَ كالجلوسِ والاستقرارِ والجوارحِ والطُّولِ والعرضِ والعمقِ والمساحَةِ والحركةِ والسكونِ والانفعالِ مما هو صفةٌ حادثةٌ. هذا مَسلكُ السّلفِ رَدُّوها من حيثُ الاعتقادُ إلى الاياتِ المحكمةِ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ﴾ وتركوا تعيينَ معنى معيَّن لها مع نفي تشبيهِ الله بخلقِهِ. قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شىء" اهـ.
وأما الآيات الكريمة التي اخترنا تفسيرها فهي مجموعة من الايات المتشابهات في صفات الله تعالى وءايات الأحكام، وفي صفات الأنبياء عليهم السلام، والله الموفق وهو نعم النصير.